نهضة المشاريع التي أعادت بيروت لؤلؤة المدن
عندما خرجت بيروت من دوامة الحرب التي دامت سبعة عشر عاماً، تساءل
الكثيرون في سرّهم: هل يمكن لهذه المدينة أن تستعيد عافيتها؟ وكم من
الوقت سيستغرق الأمر؟ هل يمكن لبيروت أن تعود عصرية، طليعية، جميلة،
كما كانت دائماً لؤلؤة شرق المتوسط؟
تساءلوا سراًّ..لأن التحدي بات مخيفاً. فالأبنية السكنية العصرية
التي تبنى بجهود فردية لا تكفي أبداً لتعيد بيروت مدينة عصرية. المشروع
عملاق، لأنه مؤلف من عشرات المشاريع التي يجب إطلاقها في وقت واحد
تقريباً، ويحتاج إلى شجاعة فائقة مصحوبة بالدراية العلمية، أما تكاليفه
الباهظة فتحتاج إلى ثقة كبيرة أولاً من اللبنانيين بأنفسهم، وثانياً
من العالم بأسره بلبنان. وربما لهذا السبب تلافى عدد كبير من السياسيين
في السابق خوض هذه المغامرة، إلى أن كان..دولة رئيس مجلس الوزراء
رفيق الحريري.
قبل ضربة المعول الأولى في ورشة الإنماء والإعمار، كان الرئيس الحريري
قد ضمن كل العناصر الضرورية لنجاحها بدءاً بالمهارات اللبنانية التي
كانت مبعثرة في الخارج، وأعاد تجميع قسم ضخم منها في لبنان، وانتهاء
بثقة الأشقاء العرب والدول الأجنبية، بما فيها من مراكز قرارات اقتصادية
ومالية. ولأن بيروت هي قلب الوطن، ولأن صحة الوطن تبدأ بشفاء القلب،
عمل الرئيس الحريري على أن تخص بيروت بهذا العدد الضخم من المشاريع
الإعمارية والإنمائية الذي لم تشهد له مثيلاً في تاريخها.
في البدء، انتابت البعض شكوك في احتمال تحول الحلم إلى حقيقة. وجبروت
العمل المطلوب كان يبرر بعض الشكوك، أو يدفعنا إلى تفهمها. انتشرت
الجرافات والشاحنات أينما كان، وعلا هدير الحفارات في معظم الشوارع
وارتفعت سحب الغبار من كل حدب وصوب. وتدريجاً، كانت سحب الغبار تنقشع
عن شارع جديد هنا، أو نفق جديد هناك، أو مدرسة مهنية هنالك..وتدريجاً
تبددت الشكوك، وتحولت إعجاباً وانبهاراً وعرفان جميل.
المشاريع العديدة والضخمة التي نفذت في عهد الرئيس الحريري في بيروت،
وتلك التي لا يزال العمل جارياً على تنفيذها، ليست مجرد إعمار حجر
كما يعن على بال البعض أن يقول . فعدا عن أن عدداً كبيراً منها يمس
مباشرة أكثر المتطلبات الاجتماعية إلحاحاً مثل المستشفى الحكومي
في بئر حسن، ومجمع المدارس المهنية، ومبنى كلية العلوم للجامعة اللبنانية..
يمكن القول أن كل هذه المشاريع تلتقي وتتكامل حول نقطة مركزية واحدة:
إعادة تأهيل بيروت لاستعادة دورها الريادي في المنطقة ككل، وخلق
البيئة المدنية اللائقة لنا ولأولادنا من بعدنا.
وأكثر من ذلك، يمكن الجزم بأن هذه المشاريع كلها هي ثمرة واحدة
لنظرة أخلاقية إلى الحياة الأفضل، وتنتصر بشكل ملموس لا يقبل الجدل
للثقة بالغد على كل الارتباك الناجم عادة عن الاختلافات السياسية
وتعدد وجهات النظر إلى المستقبل.
|